أحمد الفاروقي السرهندي

221

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

جواب أصل السّؤال رمز إلى هذا المعنى ( ولنرجع ) إلى أصل الكلام ونبيّن تتمّة الجواب من أصل السّؤال ونقول : إنّ سبب الألم والبلاء والمصيبة وإن كان كسب الذّنوب والسّيّئات ولكنّ البليّات مكفّرة في الحقيقة للسّيّئات والمصيبات مزيلة لظلمات الذّنوب والخطيّات فالكرم في زيادة محن الأولياء وبليّاتهم لتكون كفارّة لسيّئاتهم ومزيلة لظلمات ذنوبهم وزلّاتهم ولا ينبغي أن تتصوّر سيّئات الأولياء وذنوبهم مثل سيّئات الأعداء وذنوبهم . ولعلّكم سمعتم قولهم حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين فلو صدر عنهم الذّنب والعصيان لا يكون ذلك كذنب غيرهم وعصيانه بل يكون من قسم السّهو والنّسيان بعيدا من العزم والجدّ والطّغيان قال اللّه تبارك وتعالى ( وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) فكثرة الآلام والمصائب والبليّات تدلّ على كثرة كفّارة السّيّئات لا على كثرة كسب السّيّئات فيعطي أكثر البلاء للأولياء ليكفّر عنهم سيّئاتهم فيقدمون إلى ربّهم طاهرين مطهّرين ويكونون محفوظين من محنة الآخرة ومصونين ( نقل ) أنّ في حين احتضار النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ظهر فيه قلق واضطراب فلمّا شاهدت فاطمة رضي اللّه عنها منه صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك صارت من كمال شفقتها وتحننّها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - ولقوله صلّى اللّه عليه وسلّم " فاطمة بضعة منّى " مضطربة ومنزعجة فلمّا شاهد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ذاك الاضطراب والانزعاج من فاطمة الزّهراء في ذلك الوقت قال لتسليتها رضي اللّه عنها : إنّ محنة أبيك هي هذه فقط لا مكروه بعد ذلك ما أعظم دولة لو ارتفع العذاب الاشدّ والّا بقي بمحنة أيّام قليلة وإنّما يعامل بهذه المعاملة الأولياء دون غيرهم فإنّ ذنوب غيرهم لا تكفّر هنا كما ينبغي بل يؤخّر مجازاتهم إلى الآخرة فيكون الأولياء أحقّاء بكثرة الآلام والبليّات الدنيويّة وليس غيرهم مستحقّين لهذه الدولة فإنّ ذنوبهم كبيرة ومشغوليّتهم بالإلتجاء والتّضرّع والاستغفار والانكسار قليلة ونفوسهم على كسب المعاصي جسورة يكتسبون الذنوب بالجدّ والعزم ولا يخلون من التّمرّد والطّغيان والرّجم بل يكادون يستهزئون ويسخرون بآيات اللّه عزّ وجلّ والجزاء على قدر الجريمة فإن كانت الجريمة خفيفة وصاحبها ملتجئا ومتضرّعا إلى اللّه تعالى فهي قابلة للكفّارة بالبلاء الدنيويّ أمّا إذا كانت غليظة وصاحب الجريمة متمرّد ومتكبّر فهي حريّة بالجزاء الأخرويّ الذي هو أشدّ وأدوم وما ظلمهم اللّه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( وكتبتم ) أيضا أنّ النّاس يستهزئون ويسخرون ويقولون : إنّ الحقّ سبحانه لم يبتلي أولياءه بالمحنة والبلاء ولم لا يجعلهم في التّلذّذ والتّنعّم دائما ويريدون نفي هذه الجماعة بهذا القيل والقال نعم : قد قال الكفّار أمثال هذه الكلمات في حقّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال اللّه تعالى ( وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها ) الآية ومدار أمثال هذه الكلمات على إنكار الآخرة وإنكار العذاب والثواب الدائمين وعلى الاعتداد بالتّلذّذات الفانية العاجلة والذي يؤمن بالآخرة ويذعن بالثّواب والعذاب الدائمين لا يورد محنة أيّام قليلة على نظره أصلا بل يتصوّر هذه المحنة الموقّتة الّتي هي سبب راحة مؤبّدة عين الرّاحة